تقرير بحث السيد كمال الحيدري لطلال الحسن

188

من الخلق إلى الحق ( رحلات السالك في أسفاره الأربعة )

وأُزلفت الجنّة للمتّقين لم تقتصر حركة الإنسان المعرفية السلوكية على دائرة معيّنة وإنّما امتدّت إلى عدّة دوائر تكاملية ارتقائية ينتقل فيها من مقام دانٍ إلى مقام عالٍ ومن عالٍ إلى أعلى ، حيث بدأت حركته من مقام النفس إلى مقام القلب ومنه إلى مقام العقل ثمّ مقام الروح ثمّ إلى المقصد الأقصى والبهجة الكبرى حيث الجنّة التي أُزلفت للمتّقين وأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ « 1 » حيث جنّة الذات واللقاء لا جنّة الحسّ التي تجري من تحتها الأنهار وإنّما هي جنّة التطهير الأكمل عمّا سوى الله تعالى من أدناس النفس وهي الحجُب الظلمانية ، ومن أنوار مقام القلب وأضواء مقام الروح وهي الحُجب النورانية ، فتلك الأنوار والأضواء هي الشراب الطهور وسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً « 2 » ولكنّها على أعلائيّتها ورفعتها ليست إلّا حُجباً تمنع السالكين الكُمّل من السير والتحقّق في جنّة المأوى . إنّ تلك المراتب « 3 » وإن كانت مراتب كمالية تطهيرية إلّا أنّها في مرتبة أدنى من مرتبة التطهير الأكمل وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً « 4 » . فتلك الجنّة المُثلى والبهجة الكبرى إنّما أعدّها الله تعالى للمتّقين الذين تحقّقوا بها بعدما خلّفوا تلك الأدناس الظلمانية والحُجب النورانية وراء

--> ( 1 ) الشعراء : 90 . ( 2 ) الإنسان : 21 . ( 3 ) أي : أنوار مقام القلب وأضواء مقام الروح وهي الشراب الطهور . ( 4 ) الأحزاب : 33 .